اتذكر لحظة الإفطار في رمضان ونحن نحمل حبات التمر بين اصابعنا.. هل التمر مجرد عادة إفطار ام سنة نبوية تحمل في طياتها سراً؟ ولكن لماذا التمر تحديداً؟ وماذا تخفي هذه التمرة؟ نبحر في رحلة من كتب التراث الى احدث الدراسات لنكشف اسراره..
ما قاله التراث:
جاء في كتاب “الطب النبوي” لابن القيم: انه ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من تصبح بسبع تمرات “وفي لفظ من تمر العالية”, لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر). وثبت عنه (النبي) انه قال: (بيت لا تمر فيه جياع اهله). وثبت عنه: انه اكل التمر بالزبد ( الزبد طعام مذكور في كتب التراث والسيرة). وأكل التمر بالخبز, وأكله مفرداً.
والتمر مقوي للكبد وملين للطبع, يزيد في الباه (الباه هو قوة الجماع “اشارة الى الصحة الجنسية”) وقد قال الرازي كذلك, ولاسيما مع حب الصنوبر, ويبرئ من خشونة الحلق.
وهو من اكثر الثمار تغذية للبدن, بسبب طبعه الحار الرطب. وأكله على الريق يقتل الدود؛ فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية (يعني قوة مضادة للسم). فإذا اديم استعماله على الريق: اضعف الديدان وقللها وقتلها, وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى. (1)
وهناك نوع خاص من التمر ذكر الرسول فضله وهو تمر “العجوة”. وهو نوع من تمر المدينة يميل الى السواد, من غرس النبي صلى الله عليه وسلم. والمقصود بيان فضل العجوة على سائر انواع التمر لأنها من انفع تمر الحجاز على الاطلاق, وهو صنف كريم, مقوي للجسم ومن ألين التمر واطيبه وألذه (وفيها شفاء من السم). فقد جاء من حديث رسول الله ان (العجوة من الجنة وهي شفاء من السم). (2)
وجاء في كتاب “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية”: نقلا عن الرازي في كتاب “دفع مضار الأغذية”: ذكر ان التمر يسخن البدن ويخصبه ويصلح للصدر والرئة والأمعاء, وهو ملين للمفاصل ومذهب للتعب. وإذا انقع التمر في اللبن الحليب “الرائب” وأخذ: انعظ انعاظاً قوياً (الانعاظ: قوة الانتصاب والصحة الجنسية), وإن اديم اكله وشرب ذلك اللبن مع الفرقة (وأفضل وقت لاستعماله مع الرمان البارد) فإنه يخصب عليه بدنه (ينمي ويزيد خصوبة البدن وقوته) ويحسن اللون (اشارة الى نظارة البشرة) كثيرا, ويستأصل امراضا وأوجاعاً باردة إن كانت به (الأمراض الباردة: امراض كان يعتقد ان سببها زيادة الأخلاط الباردة, مثل البلغم في الجسم, وكان الأطباء يعالجون الامراض الباردة بما هو حار “كالقرفة”, والأمراض الحارة بما هو بارد “كالرمان”). (3)
ويضيف ابن سيناء في كتابه “القانون في الطب”: ان التمر يزيد المني (يكثر الحيوانات المنوية لدى الرجال). (4)
“رغم فوائد التمر العديدة التي أقرها التراث الطبي، إلا أنه ليس غذاءً مناسباً للجميع، وهذه الفئات هي الأكثر تأثراً بضرره:
الذين ليسوا معتادين على التمر كأهل البلاد الباردة. فإنه يورث لهم السدد. (1)
من يعاني من تليف او مشاكل او اورام في الكبد او الطحال (من به غلظ في كبده او طحاله) قد يصابوا بمشاكل انسدادية: كإنسداد الاوعية الدموية او مجاري الطعام او القنوات المرارية, والضرر على الطحال اكبر.
من يتعرض بسرعة للصداع والرمد والقلاع والخوانيق ووجع الاسنان واللثة, قد يؤذي اسنانه, ويهيج لديه الصداع, والرمد.
من عنده عسر هضم قد يحدث له حرقة في فم المعدة, لأن التمر صعب الهضم. (3)
ومن تعرض لهذه الأضرار فإنه يدفعها باللوز والخشخاش (1). او يشرب السكنيجين النقي الممزوج بالسكر (السكنيجين مركب كيميائي او دواء) وامتصاص الرمان الحامض والتغرغر بالخل او بالسكنيجين ويسهلوا بطونهم بالرمان المعصور بشحمة ( شحم الرمان ما يحيط بحبوب الرمان من الداخل).
وينبغي لمن هو ضعيف الاسنان واللثة ان يغسل فمه بعد اكل التمر بما فاتر “دافئ” ويتغرغر بالمارود (البردقوش) والسماق ليأمن بذلك من القلاع (القلاع التهاب وتقرح يصيب الفم, معروف “بداء المبيضات”) والخوانيق (مرض تنفسي حاد يصيب الأطفال “الخانوق”). اما من لا يعتريه هذه الاوجاع ولا يعاني منها فالتمر ينفعه ويقويه خاصة من اوجاع الظهر والورك المزمنة. (3)
ما يقوله العلم الحديث:
اجريت مراجعة منهجية وتحليل تجميعي ل 22 مقالة الى جانب استخدام 3 قواعد بيانات. واستند اختيار الدراسات الى معايير ادراج محددة. وتشير نتائج هذه الدراسة الى أن ثمار التمر الناضجة تحتوي على نسبة عالية من الفينولات (الفينولات: منتجات نباتية لها فوائد صحية كثيرة للإنسان فهي: مضادات اكسدة قوية ومضادات التهاب وتحمي القلب والاوعية الدموية وتدعم وظائف الدماغ وتنظم سكر الدم ولها خواص مضادة للميكروبات وتحمي من السرطان) مما يسهم بشكل رئيسي في خصائصها المضادة للأكسدة. (5)
ويدعم ذلك دراسة اخرى قائلة: يتمتع التمر بخصائص قوية مضادة للأكسدة تخفف من التأثيرات الكبدية المدمرة لكلوريد الزئبق “MC” عن طريق تنشيط مسارات مضادات الأكسدة الخلوية وإعادة التغيرات المرضية إلى شكلها الفيزيولوجي. (6)
كما أكد ذلك مراجعة منهجية ركزت على التمر المعروف بإسم “العجوة” شملت 269 مقالة, وتم اختيار17 مقالة منها بعد التحليل النوعي. وخلصت الى فعالية التمر في كونه مضاد للأكسدة, وتقول هناك حاجة لاستكشاف الامكانات العلاجية لنخيل التمر بشكل شامل, لاسيما فيما يتعلق بأنشطته المضادة للأكسدة الموجهة نحو تخفيف العمليات التنكسية العصبية.
وتقول الدراسة: ان هذا البحث يحمل في طياته وعدًا بتعزيز فهمنا وربما تسخير الفوائد العلاجية لنخيل التمر في مجال الحماية العصبية. (7)
وتقول مراجعة منهجية محدثة وتحليل تجميعي للتجارب السريرية: يبدو ان تناول ثمار التمر يقلل من مدة الحمل, ومدة المرحلة الأولى من المخاض. كما انه يزيد من توسع عنق الرحم عند دخول المستشفى. (8)
وتكشف “تجربة عشوائية مضبوطة”: ان تناول التمر لمدة شهر واحد له تأثير ايجابي على الوظيفة الجنسية للأزواج الذين يعانون من العقم. (9)
كما أظهرت احدى الدراسات فعالية المستخلص الميثانولي لنبات “العجوة فقط” ضد البكتيريا, وتم اختبار اربعة انواع من البكتيريا: المكورات العنقودية الذهبية, والعصوية الشمعية, والسيراطية الذابلة, والاشريكية القولونية, وقد كانت فعالة ضد جميع انواع البكتيريا الأربعة.
وتقول الدراسة ان هذه النتائج قد تكون مفيدة لصناعة مستحضرات غذائية وصيدلانية في تطوير منتجات تعتمد على المركبات الطبيعية. (10)
وخلصت دراسة الى: ان مستخلص نخيل التمر يمتلك تأثيرات وقائية ضد السمية القلبية والكلوية الناجمة عن دوكسوروبيسين (دواء قوي يستخدم في العلاج الكيميائي للسرطان). (11)
وأثبتت الدراسات العلمية أن التمر يمثل الخيار الأمثل لكسر الصيام؛ إذ يزود الجسم بالطاقة الفورية عبر سكرياته الطبيعية، وينظم مستوى السكر في الدم بفضل محتواه الغني بالألياف، ويعوّض الأملاح المفقودة كالبوتاسيوم والمغنيسيوم. كما أظهرت الأبحاث قدرته على خفض الدهون الثلاثية ومستويات الإجهاد التأكسدي في الدم، مما يجعله عاملاً وقائياً للقلب والأوعية الدموية، ومهيئاً للمعدة لتقبل الطعام دون إجهاد. وتؤكد هذه المعطيات تطابق الحكمة النبوية مع أحدث ما توصلت إليه علوم التغذية العلاجية.
تحليل ومقارنة:
يقول التراث أن التمر: مقوي للكبد, وملين للطبع, ويعالج خشونة الحلق, ويصلح للصدر والرئة والأمعاء. ويقضي على الديدان.
ويلين المفاصل ويذهب التعب ويقوي الجماع والانتصاب ويزيد المني عند الرجال. ويغذي البدن ويزيد خصوبته وقوته. ويحسن البشرة, ويسخن البدن ويستأصل امراضا واوجاعاً سببها زيادة الاخلاط الباردة كالبلغم. وفي تمر العجوة شفاء من السم.
وبالرغم من انني لم اجد دراسات كافية تؤكد على دور التمر في تقوية الكبد والقضاء على الديدان وتحسين خصوبة البدن ولون البشرة؛ إلا ان هناك دراسات حديثة تؤكد قول التراث في: تأثير التمر الايجابي على الوظيفة الجنسية, وفعاليته القوية المضادة للتأكسد التي تنفع للالتهابات كخشونة الحلق. ودراسات اخرى تؤكد فعالية التمر المضادة للسمية لاسيما تمر العجوة الذي ثبت فعاليته ضد عدة انواع من البكتيريا. الى جانب ما ذكرته الدراسات في كون التمر الخيار الافضل لكسر الصيام.
ومع ذلك فإن الدراسات تضيف فوائد اخرى للتمر: حيث توصلت انه يساهم في تخفيف العمليات التنكسية العصبية, ويزيد توسع عنق الرحم, ويمتلك تأثيرات وقائية للقلب والكلى ضد سمية بعض الأدوية.
هنا يتجلى قول النبي ﷺ: “إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد فالماء، فإنه طهور” (رواه أبو داود). لاحظ أنه جعل الماء بديلاً، لأنه أيضاً ينظف المعدة، لكن التمر هو الأصل لاحتوائه على السكر.
فإفطارنا بالتمر ليس مجرد عادة.. بل سنة نبوية تحمل حكمة طبية وصحية وروحية.
الجرعة والمحاذير للتمر:
الجرعة الموصى بها:
الجرعة اليومية الآمنة: ينصح بتناول 2 إلى 3 تمرات يومياً للاستفادة من فوائدها دون تجاوز السعرات الحرارية والسكر الموصى بها .
الجرعة العلاجية (في الدراسات): استخدمت بعض الدراسات جرعات يومية تتراوح بين 50-100 جرام (أي ما يعادل 4-7 تمرات) لمدة تتراوح بين أسبوع إلى 8 أسابيع، وكانت آمنة وفعّالة في رفع مستويات الهيموغلوبين .
بدائل للمرضى: يُنصح بتناول التمر مع مصدر للبروتين أو دهون صحية (مثل المكسرات) لإبطاء امتصاص السكر وتقليل ارتفاعه في الدم .
أهم المحاذير:
- مرضى السكري: آمن بجرعات محدودة (2-3 تمرات) بسبب مؤشره الجلايسيمي المنخفض (42-62)، لكن يجب مراقبة الكميات، خاصة مع أنواع التمر الكبيرة كالميدجول .
- مرضى الكلى: غني بالبوتاسيوم، لذا يجب تناوله بحذر شديد واستشارة الطبيب لمن يعانون من مشاكل كلوية .
- مشاكل الجهاز الهضمي (IBS/الانتفاخ): يحتوي على سكريات الفركتوز والسوربيتول والألياف التي قد تسبب انتفاخاً أو إسهالاً لدى المصابين بمتلازمة القولون العصبي أو حساسية الفركتوز .
- الحمل: آمن بشكل عام، وقد يساعد في تسهيل الولادة، لكن يُنصح بالاعتدال لتجنب زيادة الوزن أو سكري الحمل.
- السعرات الحرارية: غني بالسعرات (التمرة الواحدة تحتوي على 66.5 سعرة و18 غراماً من الكربوهيدرات)، مما يتطلب الحذر في أنظمة إنقاص الوزن.
تنبيه:
هذه المعلومات للتوعية, واستشارة الطبيب هي الخطوة الأهم.
#طالب- طب4..
المصادر:
المصادر التراثية:
“الطب النبوي”. ابن قيم الجوزية.
تحفة الأخوذي. كتاب الطب.
“الجامع لمفردات الأدوية والأغذية”, الجزء الأول. ابن البيطار
القانون في الطب. ابن سيناء.
المصادر الحديثة (موقع PubMed):
إجمالي محتوى الفينولات في ثمار التمر الناضجة ( Phoenix dactylifera L.): مراجعة منهجية وتحليل تجميعي PMID: 34121900
التأثيرات المضادة للالتهابات، والمضادة للاستماتة، والمضادة للأكسدة لمستخلص نخيل التمر (Phoenix dactylifera) من الشرق الأوسط على سمية الكبد الناجمة عن الزئبق في الجسم الحي PMID: 32737827
الكشف عن الإمكانات الوقائية العصبية لنخيل التمر ( Phoenix dactylifera ): مراجعة منهجية PMID: 39338383
تأثيرات تناول ثمار التمر (Phoenix dactylifera Linn) على الحمل والولادة: مراجعة منهجية محدثة وتحليل تجميعي للتجارب السريريةPMID: 31331586
تأثير التمر على الوظيفة الجنسية لدى الأزواج الذين يعانون من العقم: تجربة سريرية مزدوجة التعمية مضبوطة PMID: 35168636
الخصائص المضادة للبكتيريا وتأثيرات تبريد الثمار وتخزين المستخلص على النشاط المضاد للأكسدة، ومحتوى الفينولات الكلية والأنثوسيانين لأربعة أصناف من نخيل التمر (Phoenix dactylifera) PMID: 27023514
يحمي نبات نخيل التمر (Phoenix dactylifera) من سمية القلب والكلى الناجمة عن دوكسوروبيسين. PMID: 31929900.

