mahdi kordi rbxfb vvl0i unsplash

“الحلبة”.. هل حقا تحمل كل هذه الفوائد؟

اتخيل طبق الفحسة الساخن (أكله يمنية اساسية, الحلبة مكون اساسي فيها) والدخان يتصاعد منها بتلك الرائحة الشهية وهي موضوعة ضمن مائدة طعامنا, ولكن لماذا “الحلبة تحديدا” اختارها اجدادنا كوجبة اساسية يومية ضمن نظامنا الغذائي, هل مجرد عادة ام ماذا تخبئه حبة الحلبة الصغيرة؟ نغوص في رحلة من كتب التراث الى المختبرات الحديثة لنكشف السر..

ماذا قال التراث عن الحلبة:

يذكر ابن القيم في “الطب النبوي” (1): أن الحلبة إذا طبخت بالماء؛ لينت الحلق والصدر والبطن, وتسكن السعال والخشونة والربو وعسر النفس, وتزيد في قوة الجماع. وهي جيدة للريح والبلغم والبواسير, مخدرة الكيموسات الرتبكة في الأمعاء (تعالج اضطرابات الهضم والانتفاخات), وتحلل البلغم اللزج من الصدر, وتنفع من الدبيلات (الدبيلة: تجمّع قيحي في أحد تجاويف الجسم الطبيعية) وامراض الرئة, وتستعمل لهذه الأدواء في الأحشاء, مع السمن والفانيذ (مادة حلوة ودسمة تدخل في تركيب الأدوية لتسهيل تناولها وتعزيز فعاليتها).

وإذا شربت مع الفوة (الفوة هي نبات معروف في الطب التقليدي وهي صبغة تنفع للكبد والطحال ) ادرت الحيض. وإذا طبخت وغسل بها الشعر؛ جعدته وأذهبت الحزاز.

وإذا دقت وخلطت بالنطرون والخل؛ حلل ورم الطحال (النطرون: هو ملح طبيعي “كربونات الصوديوم” كان يُستخدم في التنظيف والطبخ، وأحيانًا في العلاجات لتجفيف الرطوبات و”إذابة” الفضلات), وقد تجلس المرآة في الماء الذي طبخت (سخنت) فيه الحلبة, فتنتفع به من وجع الرحم الناتج عن ورم فيه. وإذا ضمد به الأورام الصلبة القليلة الحرارة؛ نفعتها وحللتها.
وإذا شرب ماؤها نفع من المغص الناتج من الرياح, وأزلق الأمعاء.

وإذا اكلت مطبوخة بالتمر او العسل او التين على الريق؛ حللت البلغم اللزج العارض في الصدر والمعدة, ونفعت من السعال المتطاول منه.
وهي نافعة من الحصر (احتباس البول), مطلقة للبطن. وإذا ضمدت على الظفر المتشنج اصلحته (الظفر المتشنج: وصف دقيق لما يُعرف اليوم بـ “الظفر الناشب”، أي نمو حافة الظفر داخل الجلد المحيط، مما يسبب ألماً والتهاباً واحمراراً، وغالباً ما يصيب إصبع القدم الكبير). ودهنها (زيتها) ينفع اذا خلط بالشمع من الشقوق الناتجة عن البرد.. ومنافعها اضعاف ما ذكرنا, ويذكر عن القاسم بن عبد الرحمن, انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استشفوا بالحلبة) وهذا الحديث ذكره ابن القيم في “الطب النبوي”. وقال بعض الأطباء: (لو علم الناس منافعها, لاشتروها بوزنها ذهب)

ويقول ابن اسيناء في “القانون” (2): الحلبة تصفي الصوت وتغذي الرئة بعض الغذاء وتلين الصدر والحلق, وتسكن السعال والربو, وخصوصاً إذا طبخت بعسل او تمر او تين.
والأفضل ان تعصر مع تمر ملحم (كثير اللحم او كثير الكمية) ويخلط عصيرهما بعسل كثير, ويسخن تسخيناً معتدلا, ويتناول قبل الطعام بمدة طويلة.
وتدخل الحلبة ايضاً في ادوية الكلف وتحسين لون البشرة, وتغير النكهة ونتن رائحة البدن والعرق.
وطبيخ الحلبة مع الخل نافع لقروح الامعاء. وطبيخها بالماء (الماء بعد تسخينها مع الحلبة) جيد للزحير والاسهال (الزحير: هو شعور برغبة ملحة ومتكررة في التبرز مع ألم وتشنج، ولكن دون إخراج كمية تذكر. يُشبه الإحساس بأن الأمعاء لم تفرغ بالكامل. في الطب الحديث، يُعرف بالـ”Tenesmus” وهو عَرَض شائع لأمراض القولون والمستقيم، مثل الالتهابات أو متلازمة القولون العصبي). وزيتها نافع لأورام في الشرج, والزحير والمغص وخصوصا مع القليل من العسل. وطبيخ (مخلوط) الحلبة مع العسل يدفع الرطوبات الغليظة من الامعاء, ويدر البول والطمث. ويستخدم مع شحم البط لصلابة الرحم العسير الولادة الناتج عن الجفاف. وهي “الحلبة” جيدة لأصحاب البواسير.

ويقول ابن البيطار نقلا عن جالينوس (3): ان الحلبة محللة وشافية للأورام الصلبة قليلة الحرارة, ولكنها مهيجة للأورام الملتهبة ولا تنفع لها.
وأما الحلبة المطبوخة إذا شربت مع العسل فإنها تطلق البطن وتخرج ما في الامعاء من الأخلاط الرديئة
ويضيف الرازي انها جيدة للجماع وللغازات, اما بقل الحلبة (بذور الحلبة) اذا اكل نفع من وجع الظهر والكبد وبرد المثانة (البرد هنا بمعنى ضعف او خمول وليس بالضرورة انخفاض درجة الحرارة) وتقطير البول (هذه هي النتيجة الطبيعية لضعف المثانة, عندما لاتنقبض العضلة بقوة, يبقى بعض البول محتبساً داخل المثانة أو مجرى البول، فيتسرب بعد الانتهاء من التبول على هيئة قطرات أو تقطير متقطع . الأطباء القدامى رأوا أن سبب هذه الحالة هو “البرد” أي الضعف وهذه الحالة معروفة اليوم بـ “سلس البول الالحاحي” او تقطير البول بعد التبول) فالرازي يشير الى ان الحلبة نافعة لهذه الحالة “ضعف المثانة وسلس البول”. ويضيف “الحوز”: ان الحلبة الرطبة او الطرية تزيد من الدم بصورة جيدة (حين يقول النص التراثي أن الحلبة “تزيد في الدم”، فهو لا يعني أنها ترفع عدد خلايا الدم الحمراء في التحليل المختبرى. بل المقصود أنها تعمل على:
تقوية المادة الخام للدم: أي أنها تحسّن من جودة الغذاء بعد هضمه وتحويله إلى “دم” صالح لتغذية البدن، وليس مجرد زيادة حجم السائل. الحلبة غنية بالحديد والبروتين والألياف، مما يجعلها مغذية وتزيد من كتلة الجسم كما وصفها ابن سينا.
توليد دم “جيد” و”غزير”: أي دم له القدرة على تغذية الجسم وإنعاشه. هذا يتوافق مع استخدام الحلبة التاريخي لزيادة الوزن وعلاج الضعف العام، ولإدرار الحليب لدى المرضعات، وكلها حالات تحتاج إلى “دم” مغذٍ وقوي)

ماذا عن الطب الحديث:

أجريت دراسة (تجربة عشوائية مضبوطة) (4) لفعالية بذور الحلبة (Trigonella foenum-graecum L) في علاج الربو الخفيف: توصلت الى تحسّن مستوى حجم الزفير القسري في الثانية الأولى (FEV1) بأكثر من 10% في المجموعة التي تناولت الحلبة. وقد تحمّل المرضى العلاج جيدًا. ولم تُسجّل أي آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة. ويبدو أن المستخلص المائي لبذور الحلبة فعّال وآمن في علاج الربو الخفيف.
كما اجريت دراسة اخرى (تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية مضبوطة بالغفل) (5) لفعالية مستخلص بذور الحلبة على الصحة النفسية والجسدية للرجال: وتوصلت الى: ان تناول الحلبة كمكمل غذائي يُعدّ تدخلاً غذائياً فعالاً لتحسين أعراض الشيخوخة لدى الرجال، ومستويات القلق، وقوة القبضة، وجوانب جودة الحياة المتعلقة بالصحة لدى الرجال الأصحاء النشطين بدنياً.

وتذكر “دراسة سريرية عشوائية مضبوطة”(6) لتقييم تأثير الحلبة (Trigonella foenum-graecum ) مقابل غليبنكلاميد لدى مرضى السكري: أنه يمكن استخدام الحلبة كعلاج مساعد للأدوية المضادة لمرض السكري للسيطرة على نسبة الجلوكوز في الدم. الى جانب تحليل تجميعي لتجارب سريرية (7) خلص الى: ان نتائج التجارب السريرية تدعم الفوائد الصحية لبذور الحلبة في ضبط مستوى السكر في الدم لدي مرضى السكري. ومع ذلك، هناك حاجة إلى تجارب ذات منهجية أكثر دقة باستخدام مستحضر حلبة مُحدد الخصائص وبجرعة كافية لتوفير أدلة أكثر حسمًا.

تحليل ومقارنة:

تذكر كتب الطب القديم فوائد كثيرة “للحلبة”: فهي تلين الحلق والصدر والبطن, وتسكن السعال والخشونة والربو وعسر النفس, وتزيد في قوة الجماع, وتنفع للغازات والبلغم والبواسير, واضطرابات الهضم والمغص.
وتنفع من الدبيلات “التجمعات القيحية” وأمراض الرئة, وتدر الحيض, وتنفع للشعر, وتنفع لورم الطحال, ومن وجع الرحم الناتج عن ورم, وتنفع لتقطع واحتباس البول, وتنفع للظفر الناشب والشقوق الناتجة عن البرد.
وتدخل في ادوية الكلف وتحسين البشرة وإزالة الروائح, وتنفع للزحير والاسهال وقروح الامعاء, وأورام الشرج, وصلابة الرحم ووجع الظهر والكبد, وتحسن من التغذية وتزيد من كتلة الجسم.
ولهذا قال بعض الأطباء: (لو علم الناس منافعها, لاشتروها بوزنها ذهب).

وبالرغم من ان الدراسات العلمية الحديثة عن “الحلبة” لا زالت محدودة, ولا زالت هناك حاجة الى المزيد من الدراسات عنها. إلا ان هناك عدد من الدراسات القوية التي اجريت عن “الحلبة”؛ فقد توصلت احدى الدراسات الى فعالية بذور الحلبة في علاج الربو الخفيف, وهذا ما يؤكد قول ابن سيناء في ان الحلبة “تسكن السعال والربو”. ايضا توصلت احدى الدراسات الى فعالية مستخلص بذور الحلبة على الصحة النفسية والجسدية للرجال وانها تعد مكمل غذائي فعال لتحسين الصحة النفسية والجسدية عند الرجال, وهذا ربما ينسجم مع قول الرازي في انها جيدة للجماع ووصف “الحوز” بأنها تزيد في الدم أي تغذي وتقوي البدن بالمعنى الحديث.
وبالرغم من محدودية الدراسات العلمية الا ان الطب الحديث يضيف شيئاً؛ وهو استخدام الحلبة كعلاج مساعد لمرضى السكري وتشير دراسات: تدعم نتائج التجارب السريرية الفوائد الصحية لبذور الحلبة في ضبط مستوى السكر في الدم لدى مرضى السكري, مع الحاجة الى ادلة اكثر حسما.
وما بين فوائد الحلبة المتعددة التي نبعت من التراث الثري وحتى دراسات العلم الحديث المستمر بالتطور.. تبرز حكمة اجدادنا في اضافتها الى غذائهم, ولكن هل كانوا يعلموا كل هذه الفوائد عنها؟

الجرعة والمحاذير:

الجرعة اليومية الآمنة (من الدراسات الحديثة)

للسكري وضبط السكر: تتراوح الجرعة المدروسة بين 1 غرام من المستخلص يومياً، وحتى 100 غرام من البذور المطحونة أو المنبتة يومياً، مقسمة على وجبات الطعام. دراسة سريرية حديثة استخدمت 500 ملغ من المستخلص يومياً ولمدة 12 أسبوعاً لدى مقدمات السكري، وأظهرت تحسناً ملحوظاً في سكر الصائم وسكر ما بعد الأكل.
جرعة آمنة وعملية: بالنظر إلى تنوع الجرعات، يبدو أن المبدأ هو الاعتدال. استخدام 1-2 غرام من البذور المطحونة يومياً (حوالي نصف ملعقة صغيرة) يعتبر مدخلاً آمناً ومناسباً للبدء، أو استخدام مستخلص موحد بجرعة 500 ملغ يومياً كما في الدراسات الحديثة.
الجرعة القصوى: يجب ألا تتجاوز الجرعة اليومية 21 غراماً (ما يعادل 350 ملغ/كغ من وزن الجسم) لتجنب خطر الجرعة الزائدة.

أهم المحاذير والتحذيرات:

  1. الحمل والرضاعة:
    يُمنع استخدامها أثناء الحمل لما لها من تأثير محفز على الرحم قد يؤدي إلى الإجهاض.
    الرضاعة: تستخدم تقليدياً لزيادة الحليب، لكن لا توجد أدلة كافية على سلامتها وفعاليتها، وكمية انتقال مكوناتها إلى حليب الأم غير معروفة.
  2. الحساسية:
    قد تسبب الحساسية، خاصة لدى من يعانون من حساسية تجاه البقوليات (كالفول السوداني، الحمص، العدس، فول الصويا) أو الكزبرة.
  3. التفاعلات الدوائية:
    أدوية السكري: قد تزيد من تأثير أدوية خفض السكر، مما قد يؤدي إلى هبوط حاد في سكر الدم. يجب مراقبة السكر وتعديل الجرعة مع الطبيب.
    مميعات الدم (كالوارفارين): قد تزيد من تأثيرها، مما يزيد خطر النزيف.
  4. الآثار الجانبية:
    الجهاز الهضمي: هي الأكثر شيوعاً وتشمل الانتفاخ، الغازات، والإسهال (خاصة مع الجرعات العالية). جرعة 2.5% من النظام الغذائي وجد أنها آمنة ومتحملة في الدراسات الحيوانية.
    تأثيرات أخرى: قد يسبب انخفاضاً في سكر الدم، دوخة، أو تغيرات في البول. كما لوحظت تأثيرات سامة على الخصيتين والحيوانات المنوية في دراسات حيوانية.

ملخص القاعدة الذهبية: الجرعة المعتدلة (500 ملغ مستخلص أو 1-2 غرام مسحوق يومياً) تبدو آمنة وفعالة. تجنبها تماماً أثناء الحمل.

هذه المعلومات للتوعية, واستشارة الطبيب هي الخطوة الأهم.


المصادر:

المصادر التراثية:
الطب النبوي لابن القيم الجوزية
القانون في الطب لابن سيناء, الأدوية المفردة.
الجامع لمفردات الادوية والاغذية, الجزء الثاني. ابن البيطار

المصادر الحديثة:
دراسة فعالية بذور الحلبة (Trigonella foenum-graecum L.) في علاج الربو الخفيف: تجربة عشوائية مضبوطة: PMID: 29743896.
فعالية مستخلص بذور الحلبة على الصحة النفسية والجسدية للرجال: تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية مضبوطة بالغفل: PMID: 32441668.
دراسة سريرية عشوائية مضبوطة لتقييم تأثير الحلبة (Trigonella foenum-graecum ) مقابل غليبنكلاميد لدى مرضى السكري:PMID)
31148988).
تأثير تناول الحلبة (Trigonella foenum-graecum L.) على مستوى السكر في الدم: تحليل تجميعي للتجارب السريرية: .PMID: 24438170

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *